تحليل: حماس ترحّب بخطة ترامب لغزة… ولديها أسباب وجيهة

هأرتس

تشير تقارير إلى أن حركة حماس وواشنطن توصلتا إلى تفاهم يقضي بنزع سلاح الحركة والسماح لها بالتحول إلى حزب سياسي شرعي. ووفق هذه التفاهمات، وافقت حماس على تسليم نظيف للسلطة إلى لجنة تكنوقراط لإدارة غزة مدعومة من الولايات المتحدة، إلا أن الشرطة والجهاز البيروقراطي قد يتحولان إلى “مرعى جديد” لنفوذ الحركة.

في الوقت الذي يحتفل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإطلاق “مجلس السلام”، لا تزال إسرائيل تمنع دخول أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى القطاع. ومع ذلك، بدأت عمليًا عملية نقل الإدارة المدنية من حماس إلى هذه اللجنة. فقد أفادت “سكاي نيوز عربية” بأن محادثات جرت بين سامي نسمان، عضو اللجنة الذي سيتولى وزارة الداخلية المسؤولة عن الشرطة والأمن الداخلي في غزة، ونظيره في حماس جمال الجراح. وبحث الطرفان آليات نقل الصلاحيات والعمليات من حماس إلى نسمان.

وقال مسؤول فلسطيني رفيع لصحيفة “هآرتس” إن ما يجري لا يرقى إلى تسليم مهني كامل، بل هو أقرب إلى تنسيق إداري يشمل نقل أسماء الموظفين العاملين في وزارة الداخلية والشرطة في غزة، وفهم آليات العمل التي كانت سائدة في عهد حماس.

في الواقع، لا يحتاج نسمان إلى تسليم مهني كامل؛ فهو من مواليد مخيم الشاطئ في غزة، وعاش نصف حياته في حي الشيخ رضوان، ويعرف القطاع جيدًا، بما في ذلك العائلات ومراكز النفوذ العشائري. في شبابه، انضم إلى حركة الشبيبة التابعة لفتح وشارك في الانتفاضة الأولى، وكان مطلوبًا لجهاز الشاباك الإسرائيلي للاشتباه بمشاركته في قتل متعاونين.

لاحقًا، غادر نسمان قطاع غزة، ثم عاد عام 1994 بعد توقيع اتفاق أوسلو مع عودة قيادات فتح. ومنذ ذلك الحين، شغل مناصب رفيعة في جهاز الاستخبارات الفلسطينية تحت قيادة أول رئيس للاستخبارات، أمين الهندي، وعمل على منع حماس من ترسيخ وجودها في غزة. وبعد سيطرة حماس على القطاع عام 2007، فرّ نسمان إلى رام الله، بينما واصلت حماس ملاحقته، ووجهت له عام 2015 تهمة تشغيل شبكات استخبارات ضدها، ثم حكمت عليه غيابيًا عام 2016 بالسجن 15 عامًا.

في السنوات الأخيرة، طرأ تغير على مسار نسمان بعد انضمامه إلى مجموعة الضباط المتقاعدين الذين أبعدتهم السلطة الفلسطينية عن مناصبهم، جزئيًا بسبب اعتباره مقربًا من محمد دحلان، شأنه شأن عضوين آخرين على الأقل من أعضاء لجنة غزة الجديدة البالغ عددهم 15، مثل علي شعث رئيس اللجنة.

اضطرت حماس إلى “ابتلاع” تعيين نسمان، إذ لا تملك رسميًا حق الفيتو على اختيار أعضاء اللجنة. لكن يجدر التذكير بأن العلاقة بين دحلان وحماس كانت ولا تزال جيدة. ففي عام 2017، جرت مباحثات بين مصر وحماس والإمارات — التي استضافت دحلان — حول تشكيل “لجنة إدارة” لغزة برئاسته، وقيل آنذاك إن أبوظبي خصصت 15 مليون دولار لتمويل بعض عمليات الحكومة الجديدة.

بعد فترة قصيرة، تراجعت حماس ووافقت على تشكيل حكومة وحدة مع فتح، استمرت فعليًا لمدة عام قبل أن تنهار. ويمكن الافتراض أن انضمام الإمارات إلى مجلس السلام الذي أطلقه ترامب يعيد تسخين دور دحلان على الهامش استعدادًا للمرحلة التالية، وهي بدء عمل لجنة غزة على الأرض، مع انتقال تدريجي للسيطرة إلى السلطة الفلسطينية خلال نحو عامين، وفق ما ورد في خطة ترامب ذات النقاط العشرين.

في هذا السياق، يلفت الانتباه تقرير آخر لـ“سكاي العربية”، لم تؤكده مصادر أخرى لكنه لم يُنفَ أيضًا، يفيد بتوصل حماس والولايات المتحدة إلى تفاهم تقضي بموجبه الحركة بالتخلي عن سلاحها وتسليم خرائط الأنفاق غير المكتشفة. وفي المقابل، يُسمح لحماس بالتحول إلى حزب سياسي شرعي، مع السماح لأي من أعضائها بمغادرة القطاع دون تعريض حياته للخطر.

ويضيف التقرير، نقلًا عن مصدر فلسطيني مجهول، أن اقتراحًا بهذا المعنى قُدم لإسرائيل التي أبدت اعتراضات شديدة على بعض بنوده. ومن المبكر تقييم استعدادات حماس للمرحلة المقبلة، خاصة قبل اتخاذ قرار فعلي بنزع السلاح.

مع ذلك، من المهم التذكير بتصريحات أدلى بها في ديسمبر الماضي بشارة بحبح، الذي عمل كحلقة وصل بين حماس والبيت الأبيض، حيث قال إن “نزع سلاح حماس سيتم على مراحل وفي إطار ترتيبات واسعة مرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار في غزة”. ورغم عدم توضيحه التفاصيل، فإن بدء المحادثات حول فتح معبر رفح الأسبوع المقبل، والشروع في عمل لجنة التكنوقراط — بما في ذلك إزالة الركام وإعادة الإعمار قبل نزع سلاح حماس — قد يشير إلى مرونة أميركية معينة، رغم تهديدات ترامب العلنية للحركة.

من الصعب تصور أن يبدأ مجلس السلام، بمستوياته كافة، عمله في جمع التمويل ومحاولة إنشاء قوة استقرار دولية، بينما يمنح ترامب إسرائيل الضوء الأخضر لشن حرب جديدة على حماس في غرب قطاع غزة. ويمكن رؤية نموذج لهذه المرونة في تعامل الإدارة الأميركية مع سوريا، حيث سمحت بدمج ميليشيات إسلامية في الجيش رغم تصنيفها السابق كمنظمات إرهابية، وكذلك في لبنان حيث لا تطالب واشنطن بتفكيك حزب الله كحركة سياسية شرط نزع سلاحه، وفي العراق حيث تطالب الحكومة بنزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران دون إنهائها سياسيًا.

الأسبوع الماضي، وبعد اجتماع في القاهرة ضم ممثلين عن الفصائل الفلسطينية ومسؤولين مصريين وأعضاء من لجنة إدارة غزة، صدر بيان مشترك غير معتاد في مضمونه، شكروا فيه الرئيس ترامب والدول الوسيطة — مصر وقطر وتركيا — على جهودهم المكثفة لدعم الشعب الفلسطيني وإنهاء معاناته في غزة، مؤكدين التزامهم الكامل بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار ومراحل خطة ترامب. وكانت آخر مرة شكرت فيها حماس ترامب في أكتوبر بعد تحقيقه وقف إطلاق نار. أما الآن فهي تشكره على الخطة كاملة.

هذا الأمر لم يغب عن الكاتب الفلسطيني-السوري ماجد كيالي، الذي أشار في مقال لاذع نشره موقع “درج” إلى أن البيان يُظهر احترامًا واضحًا لجهود ترامب، وكأن الإدارات الأميركية — وترامب تحديدًا — باتت صديقة للقضية الفلسطينية، لا شريكًا لإسرائيل في حرب الإبادة على غزة. فهل تحاول حماس بهذه الطريقة تمهيد الطريق لاكتساب شرعية سياسية؟

تعهدت حماس بتسليم منظم للإدارة المدنية إلى لجنة إدارة غزة دون المشاركة في الجهاز الإداري الجديد. غير أنها على ما يبدو بدأت بالفعل بتحديد الهدف التالي. فقد كان يعمل تحت حكمها نحو 11 ألف شرطي وموظف. نظريًا، سيتم استبدالهم بشرطة “جديدة” تلقت تدريبًا في مصر والأردن. لكن من الصعب تصور تنفيذ ذلك دفعة واحدة، في ظل الحاجة لإيجاد حلول وظيفية وتعويضات تقاعدية لهؤلاء، وضمان عدم تحولهم إلى عناصر معرقلة لعمل اللجنة ووزارة الداخلية.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 ألف موظف — من كتبة وشرطيين ومعلمين ورجال إطفاء ومهندسين وأطباء وعمال اجتماعيين — كانوا يعملون لدى حكومة حماس في غزة، إضافة إلى بضعة آلاف يتقاضون رواتب من السلطة الفلسطينية دون أداء مهام فعلية. وفي الماضي، جرت محاولات لتقييم كفاءاتهم تمهيدًا لإعادة دمجهم في إدارة مدنية إذا عادت السلطة إلى غزة، لكن تبين أن كثيرين بلغوا سن التقاعد أو غادروا القطاع، مع قلة فقط صالحة لإعادة التوظيف.

ويقول مسؤول فلسطيني كبير، عضو في فتح وينوي العودة إلى غزة، إن لجنة الإدارة الجديدة لن يكون أمامها خيار سوى الاستعانة — خلال الأشهر المقبلة وربما لعام أو عامين — بموظفين كانوا أعضاء في حماس أو على الأقل يتقاضون رواتب من حكومتها.

كما نقلت وسائل إعلام عربية عن مصدر فلسطيني آخر أن الدول الوسيطة وحماس اتفقتا على استمرار عمل موظفي وزارات مثل التعليم والصحة والشرطة المدنية والدفاع المدني تحت إشراف اللجنة الجديدة بعد إخضاعهم لفحوص أمنية، في حين سيُحال موظفو الوزارات الأمنية الأخرى إلى التقاعد خلال ستة أشهر.

هذه الأجهزة المدنية، بعشرات الآلاف من موظفيها، تشكل البنية التحتية اللازمة لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب. ومن المتوقع اندلاع صراع سياسي حاد حول تشكيلها، إذ ستتدفق عبرها الأموال الضخمة المخصصة لتمويل القطاع. وهنا تحديدًا قد ينشأ “مرعى النفوذ” الجديد لحماس، ومن المشكوك فيه أن تمتلك إسرائيل — غير المشاركة فعليًا في إدارة مجلس السلام أو آلياته — القدرة على مراقبة ومنع تغلغل الحركة في الإدارة المدنية الجديدة وبناء قواعد نفوذ من خلالها، وتحويل الأموال لصالحها.

  • Ali's avatar

    Ali

    Related Posts

    جريمة مركّبة تهزّ الشارع… وتصريحات جمال عبيد تزيد الغضب

    شهدت محافظة رام الله، يوم أمس، حادثة خطيرة تمثلت بمحاولة اختطاف التاجر أحمد محمد خليل أبو أسد، في واقعة اتسمت بالعنف وأثارت حالة من القلق في الشارع، بالتزامن مع تطورات…

    الإعمار ومصير العناصر.. تسريبات للجزيرة نت بشأن المرحلة الثانية في غزة

    حصلت الجزيرة نت على تسريبات تتعلق بملامح المرحلة المقبلة في قطاع غزة، بعد شهور من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وحسب…

    Leave a Reply

    Discover more from شبكة جذور الإخبارية

    Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

    Continue reading