كتب : آدم المدهون
أجرمت حركة حماس لا بوصفٍ سياسي، بل بوصفٍ أخلاقي، حين قررت أن تُشعل النار في بيتٍ من قش، ثم وقفت تصفق للحريق، وتعدّ ألسنة اللهب إنجازًا.
ما فعلته لم يكن فعل مقاومة، بل كان إدخالًا متعمدًا لقطاع غزة في أتون محرقة لا متناهية، محرقة لم تفرّق بين طفلٍ وشيخ، ولا بين بيتٍ ومسجد، ولا بين مستشفى ومقبرة. محرقة التهمت كل شيء، ثم طالبت الضحايا بالصمت، وبالهتاف، وبالرضا عن موتهم.
لقد أُدخلت غزة قسرًا في حرب لم تُستشر فيها، ولم تُهيَّأ لها، ولم تُحسب كلفتها على أجساد الأطفال ولا على بطون الجائعين. حرب اتُّخذ قرارها في غرفٍ مغلقة، بينما كان ثمنها يُدفع في الأزقة، وتحت الركام، وعلى صدور الأمهات.
الأشد فداحة من الجريمة، هو الإصرار عليها.
الإصرار على تزيين الكارثة،
الإصرار على تحويل الدم إلى نشيد،
والأشلاء إلى مادة دعاية،
والبيوت المدمرة إلى خلفية خطاب.
كيف يمكن لمن يرى أطفالًا بلا رؤوس أن يتحدث عن “إنجاز كبير”؟
كيف يمكن لمن يشاهد المستشفيات تحترق أن يصف ذلك بالنصر؟
وأي نصر هذا الذي يُبنى من عظام الرضع، ومن صراخ الأمهات، ومن جوع المحاصرين؟
لقد صُفّق للجريمة، لا لأنها أنقذت غزة، بل لأنها أرضت غرورًا أعمى، ولأنها انسجمت مع خطاب لا يرى في الإنسان سوى وقود. صُفّق لها لأن المصفقين لم يكونوا تحت القصف، ولم يبحثوا عن أبنائهم بين الأشلاء، ولم يدفنوا أحلامهم في أكياس بلاستيكية.
غزة لم تُستشهد… غزة ذُبحت.
ذُبحت حين وُضعت في مرمى ردٍّ متوحش دون أدنى اكتراث بالعواقب.
ذُبحت حين استُخدمت كدرعٍ معنوي لمشاريع أكبر منها، وأصغر من دمها.
إن الجريمة ليست فقط في إشعال الحرب، بل في نزع صوت الضحية، وفي مطالبة المكسورين بالتصفيق، وفي تخوين كل من قال: كفى.
الجريمة في تحويل الحزن إلى خيانة، والعقل إلى تهمة، والرحمة إلى ضعف.
أطفال غزة لم يختاروا هذا المصير.
لم يختاروا أن يُولدوا في حصار، ولا أن يموتوا في حرب، ولا أن يُستخدم موتهم لتلميع صورة أحد.
كانوا يريدون حياة بسيطة: مدرسة، لعبة، نافذة لا تهتز، ليلة لا تقطعها الغارات.
لكنهم صاروا أرقامًا،
وصورًا،
وعناوين عاجلة…
ثم نُسوا.
إن أعظم خيانة لغزة ليست فقط في تدميرها، بل في الكذب عليها.
في الادعاء أن ما جرى ضرورة تاريخية،
وأن الخراب طريق الخلاص،
وأن الموت الجماعي ضريبة “الكرامة”.
الكرامة لا تُبنى فوق جماجم الأطفال.
والحرية لا تمرّ عبر تجويع شعبٍ بأكمله.
والمقاومة التي لا تحمي أهلها، ليست مقاومة، بل مقامرة خاسرة.
غزة اليوم لا تحتاج خطبًا، ولا شعارات، ولا مزيدًا من الدم.
تحتاج اعترافًا صريحًا بالجريمة،
ومساءلة من جرّها إلى الجحيم،
وتحريرًا لها من كل من يرى فيها ساحة، لا بيتًا، ورمزًا لا بشرًا.
وسيأتي يوم — مهما طال — يُسأل فيه كل من صفق، وكل من برّر، وكل من صمت:
أين كنتم حين كانت غزة تحترق؟
وهل كان التصفيق أعلى من صراخ الأطفال؟
هذا ليس نصًا ضد غزة…
هذا نص من أجلها.
من أجل أن لا تُذبح مرة أخرى،
ولا يُصفق لذبحها باسم أي راية، أو أي وهم.






