يعرف رئيس الوزراء أن الإسرائيليين يريدون لجنة تحقيق رسمية من الدولة، ولذلك يسعى لإفشال هذا المطلب عبر الاستشهاد بوثائق لا يملك حق الوصول إليها سواه، وينسب فيها النجاحات إلى نفسه وحده.
سبق لبنيامين نتنياهو أن استخدم الحيلة نفسها التي حاول تكرارها مساء الخميس. ففي عام 2016، وقبيل نشر مراقب الدولة تقريرًا قاسيًا حول إهمال التعامل مع تهديد أنفاق حماس الهجومية — وهي الأنفاق التي خرج منها مقاتلو الحركة خلال الحرب التي سبقت ذلك بعامين ونفذوا عبرها سلسلة هجمات دامية — عقد رئيس الوزراء لقاءات مطوّلة مع صحفيين وُصفت بأنها “إحاطات خلفية”، قدّم خلالها اقتباسات منتقاة من جلسات أمنية.
كان الهدف إقناع وسائل الإعلام بأنه لم يكن شريكًا في الفشل، وأن المسؤولية تقع على عاتق القيادات الأمنية التي أهملت مراقبة التهديد، بينما كان هو — بحسب روايته — قد حذّرهم مسبقًا من الخطر.
مراقب الدولة آنذاك، يوسف شابيرا، لم يقع في الفخ، وأصدر تقريرًا قاسيًا لم يبرّئ نتنياهو. أما اليوم، فيواجه نتنياهو مراقب دولة “على مقاسه”، متنياهو إنغلمان، الذي يوجّه سهامه بطريقة تخدم من حرص على تعيينه. ورئيس الوزراء — الشاهد “الموضوعي” بامتياز — يروي كيف أن إفادته أمام إنغلمان “أذهلت” مراقب الدولة وطاقمه.
والآن، بعد أن جمّدت المحكمة العليا تحقيق مراقب الدولة في مجازر 7 أكتوبر، يدّعي نتنياهو أنه يكشف الحقيقة أمام المواطنين الإسرائيليين. لكن هذا، بحسب المقال، تضليل مزدوج.
أولًا، لأن رئيس الوزراء تجنّب لأكثر من عامين أي نقاش جدي قائم على الوقائع، ورفض تحمّل أي مسؤولية شخصية عن الكارثة.
وثانيًا، لأنه — كما في المرة السابقة — يقتبس بشكل انتقائي من محاضر جلسات لا يملك أغلبها سواه.
الأشخاص الذين يحاول تحميلهم المسؤولية إمّا غادروا مناصبهم أو أُقيلوا، بينما قام طاقمه بمنعهم من الاطلاع على بعض الوثائق عندما طالبوا بذلك.
في مقابلات وتصريح مصوّر لحزب «يشعر» هذا الأسبوع، نجح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت في تحديد نقطة الضعف الأساسية لدى نتنياهو قبيل الانتخابات العامة المرتقبة هذا العام. فليس مستقبل الدولة وحده على المحك، بل أيضًا أسباب ومسؤولية الندوب العميقة التي خلّفتها المجزرة في بلدات غلاف غزة. وهنا تحديدًا، تبدو تفسيرات نتنياهو غير مقنعة.
لا شك أن القيادات الأمنية، وعلى رأسها رئيس أركان الجيش، ورئيس جهاز الشاباك، ورؤساء الاستخبارات العسكرية، لعبوا دورًا كبيرًا في الإخفاقات، ولا سيما في عملية اتخاذ القرار خلال الساعات التي سبقت الهجوم. لكن نتنياهو لا يستطيع التهرّب من مسؤوليته الشاملة عن المجزرة. فالقتل الجماعي، وعمليات الاختطاف، والتعذيب، والاغتصاب التي وقعت في ذلك اليوم جرت في عهده. وكما هو متوقَّع، لا تتضمن الوثيقة التي نشرها أي إشارة — ولو طفيفة — إلى الاعتراف بذلك.
إن الادعاء بأنه لم يتم إيقاظه خلال الليل لا يعفي نتنياهو من المسؤولية. فالإخفاق لم يبدأ عند الساعة الرابعة فجر 7 أكتوبر. لقد مهّدت سنوات طويلة من الاستخفاف بحماس الطريق إلى الكارثة، في ظل التقليل من شأن تهديد الحركة، واعتماد سياسة «الاحتواء» التي سعت — مع قدر من التبرير — إلى تجنب التورط في مستنقع عسكري طويل في قطاع غزة.
صحيح أن «حكومة التغيير» القصيرة العمر برئاسة نفتالي بينيت ويائير لابيد كانت شريكة في هذه السياسة، لكن نتنياهو هو من كان على رأس الحكم بين عامي 2009 و2023، باستثناء سنة ونصف فقط.
نشر الوثيقة التي تتضمن ردود نتنياهو على مراقب الدولة إنغلمان لم يكن تصرّفًا عفويًا. فرئيس الوزراء يدرك أن أغلبية ساحقة من الإسرائيليين تؤيد تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر. وهو يسعى إلى منع ذلك، أو على الأقل تأجيل تحقيق شامل لأطول فترة ممكنة. الوثيقة التي نشرها لم تُصمَّم لتبديد الضباب، بل لتكثيفه.
ووفقًا لما ورد فيها، فإن نتنياهو مسؤول عن كل ما يعتبره «إنجازات» في ملف غزة: بناء الجدار تحت الأرض لمواجهة الأنفاق، اغتيال عدد محدود من كبار «الإرهابيين»، والتحذير من هجوم محتمل. أما الإخفاقات، فيُلقي بها جميعًا على عاتق القيادات الأمنية.
لكن الغالبية العظمى من هؤلاء المسؤولين تم تعيينهم أصلًا من قِبل نتنياهو نفسه. أما الاثنان اللذان ورثهما من حكومة بينيت–لابيد — رئيس الأركان هرتسي هاليفي ورئيس الشاباك رونين بار، اللذان كانا في مناصبهما وقت المجزرة — فلم يحاول إقالتهما. وهو يكرر القول إنه أوصى أو أمر باتخاذ هذا الإجراء أو ذاك. لكن السؤال هو: ما الذي منعه من المتابعة والتأكد من أن تعليماته نُفّذت بالكامل، أو نُفّذت أصلًا؟
شارك نتنياهو على مدار سنوات في آلاف المداولات الحسّاسة. وليس فقط أن الاقتباسات التي نشرها جاءت انتقائية، بل إن وزراء وضباطًا لاحظوا طريقته في الحديث “للسجل”، وهو واعٍ لاحتمال فحص أقواله مستقبلًا. وقد تعلّم بعض هؤلاء تقليده في ذلك.
إن تكرار نتنياهو الاقتباس عن ضرورة اغتيال قادة حماس غير مقنع. فالسؤال ليس ما قيل، بل ما الذي نُفّذ فعليًا. فمعظم مطالب الاغتيال التي عُرضت على المجلس الوزاري كانت مطالب فارغة، سواء من جانب نتنياهو أو من جانب المختصين. أما المحاولة الجدية الأساسية ففشلت — وهي محاولة اغتيال القائد العسكري لحماس محمد الضيف خلال الحرب الجوية على غزة في مايو/أيار 2021.
وفي الوقت نفسه، كان كلٌّ من نتنياهو والقيادات الأمنية مترددين إزاء اغتيال يحيى السنوار، قائد حماس في غزة. وعندما يصف رئيس الوزراء كبار قادة حماس بـ«هذين المهرّجين»، ويصف زعيم حزب الله حسن نصر الله بـ«ذلك الوقح»، فإن ذلك يمتد مباشرة إلى ادعائه الاستخفافي بأن المجزرة في بلدات الغلاف نفذها «إرهابيون ينتعلون شباشب». وهم أنفسهم الإرهابيون الذين قتلوا 1200 مدني وجندي وخطفوا 251 شخصًا إلى غزة خلال ولايته.
تستشهد الوثيقة بإسهاب بملخص جلسة ترأسها نتنياهو قبل ستة أيام من المجزرة، والغاية هي الإيحاء بأن كبار مسؤولي الجيش والشاباك كانوا متهاونين إزاء المخاطر القادمة من غزة.
غير أن هذا يتجاهل اقتباسات من الجلسة نفسها سبق أن كشفتها الصحفية غيلي كوهين من هيئة البث «كان». وتُظهر تلك الاقتباسات أن رئيس الوزراء كان منشغلًا بإمكانية التطبيع مع السعودية، ويخشى أن تعرقل الاحتجاجات على حدود غزة خططه، وقد منح المؤسسة الأمنية الضوء الأخضر للسعي إلى «ترتيب مدني» في القطاع لتهدئة الأوضاع؛ بما يشمل السماح لآلاف الغزيين بالعمل داخل إسرائيل. وفي المقابل، كانت إسرائيل «تعزّز الجاهزية العملياتية» لعمليات اغتيال — وهي، كالمعتاد، لم تُنفّذ.
نتنياهو محق في قوله إن النسخ المختلفة لخطة هجوم حماس المعروفة باسم «أسوار أريحا»، التي حصلت عليها الاستخبارات العسكرية، لم تُعرض عليه، وإن الاستخبارات العسكرية وجهاز الشاباك قلّلا من شأن سيناريو الهجمات المتزامنة — وهو السيناريو الذي تحقق فعليًا. إن الفشل في التعامل مع هذا التحذير يُعد أحد الأسباب الرئيسية للكارثة.
لكن هذا بالضبط ملف يجب أن تفحصه لجنة تحقيق مستقلة، تمتلك صلاحية الوصول إلى جميع المعلومات. كما يتعيّن عليها معالجة مجموعة واسعة من القضايا التي لا تفسرها وثيقة رئيس الوزراء بجدية، أو بالكاد تتناولها.
وقائمة هذه القضايا طويلة بالفعل، ومن بينها: دعم نتنياهو المتحمس لتحويل الأموال من قطر إلى حماس؛ العلاقات بين مساعديه والقطريين التي استمرت طوال الحرب؛ سياسته القائمة على الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي شملت رعاية حماس بهدف تقويض مكانة السلطة الفلسطينية؛ تجاهله لتحذيرات قادة الأجهزة من اندلاع وشيك. (صحيح أن تركيزهم كان منصبًا أكثر على لبنان لا غزة).
ثم جاءت محاولة نتنياهو إضعاف الجهاز القضائي، وهي المحاولة التي قوبلت بمعارضة دفعت جنود احتياط إلى الإعلان عن رفضهم الخدمة؛ وقد قلّل رئيس الوزراء من خطورة ذلك.
قال نتنياهو لمراقب الدولة إنه وصل إلى مقر وزارة الدفاع في تل أبيب عند الساعة الثامنة صباحًا يوم 7 أكتوبر، ووصف التعليمات التي أصدرها عند الساعة 9:45. لكن السؤال يبقى: ماذا فعل قبل ذلك؟ فقد أيقظه سكرتيره العسكري عند الساعة 6:29 في منزله الخاص بقيسارية، وبحلول الوقت الذي شارك فيه في أول نقاش، كان العديد من الإسرائيليين قد قُتلوا بالفعل. وماذا فعل بين عامي 2009 و2023؟
هذه أسئلة تتطلب فحصًا شاملًا من قبل لجنة تحقيق رسمية من الدولة، لا مجموعة اقتباسات انتقائية خالية من أي تحمّل شخصي للمسؤولية..






