في مقال تحليلي، يرى الكاتب جاك خوري في صحيفة هآرتس أن حــــمــــاس تحاول إظهار «استمرارية العمل» رغم خسارتها معظم قياداتها وجزءًا كبيرًا من قوتها العسكرية وسيطرتها على نحو نصف قطاع غزة.

في مواجهة واقع غزة، على حــــمــــاس أن تختار بين المقاومة المسلحة لإسرائيل وحُكم الفلسطينيين

تحاول حــــمــــاس الإيحاء بأن الأمور «تسير كالمعتاد» رغم فقدانها معظم قياداتها وسيطرتها على نحو نصف قطاع غزة. غير أن سرديتها تبدو منفصلة عن واقع جمهورٍ يائس يحتاج إلى الحد الأدنى من المساعدات الإنسانية وقادة يقدّمون قيمة الحياة على شعارات «المقاومة والتحرير».

اعتراف حــــمــــاس، يوم الاثنين، بمقتل عدد من كبار قادتها – بينهم المتحدث الأسطوري أبو عبيدة – لم يكن بيان نعي عاديًا؛ فتوقيته ومضمونه يشيران إلى محاولة من حركةٍ جريحة لإظهار الاستمرارية في لحظة بدأت فيها أسس قوتها بالتصدّع.

الهدف الأول والأوضح للبيان كان التأكيد على أن «الأعمال تسير كالمعتاد» داخل حــــمــــاس. فالحركة تسعى إلى إظهار أنها لن تُسكت باغتيالات إسرائيل لقادتها، حتى وإن قُتل الصف الأول من قيادتها.
ويتقاطع ذلك مع تقارير – لم تُنفَ – عن محادثات لاختيار قائد سياسي جديد خلال الأسابيع المقبلة بدل يحيى السنوار الذي قُتل عام 2024، في إطار محاولة لإظهار استمرارية الحكم. وتُسقِط الحركة رسالة مفادها أنها ما زالت تعمل عبر جناحيها السياسي والعسكري، موجّهةً هذه الرسالة إلى كوادرها وقاعدتها الداعمة في الداخل، وإلى الساحة الفلسطينية والإقليم الأوسع في الخارج.

لكن، وعلى خلاف بيانات سابقة، يكاد هذا البيان يخلو من التهديدات: لا تعهّد بالانتقام «في أي مكان وزمان»، ولا عرض لإنجازات عسكرية، ولا تحديد لأجندة عسكرية مستقبلية واضحة. وبدلًا من ذلك، تعود حــــمــــاس إلى لغة أيديولوجية عامة ومجرّدة حول المقاومة وتحرير الأرض وإقامة دولة فلسطينية.
غياب التهديدات الملموسة ليس مصادفة؛ بل يعكس قيودًا حقيقية في القدرات. ويكتسب توقيت البيان دلالة خاصة، إذ جاء على خلفية لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والنقاشات الدولية حول مستقبل قطاع غزة.

وبحسب مصادر في القيادة السياسية لحــــمــــاس، تهدف هذه الخطوة إلى توجيه رسالة للإدارة الأميركية مفادها أن نتنياهو يستخدم الحديث عن نزع سلاح حــــمــــاس ذريعة لعدم التحرك، في وقتٍ تكتسب فيه المسارات الدبلوماسية – بما فيها انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة – أهمية أكبر بكثير.

غير أن سردية حــــمــــاس تصطدم بالواقع الداخلي في القطاع. فعليًا، فقدت الحركة معظم قيادتها المحلية، وجزءًا كبيرًا من قدراتها العسكرية، وإمكاناتها الصاروخية، وقدرات تصنيع الذخيرة.
وبينما تواصل ترديد شعارات «التحرير والمقاومة»، فقدت السيطرة على ما لا يقل عن نصف أراضي غزة، ولا يلوح في الأفق أي احتمال واضح لانسحاب إسرائيلي. كما تعجز عن تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية للسكان: الغذاء، والمأوى، والصحة، والتعليم.

كما خلصت الحركة إلى أن الخلاص لن يأتي من قطر أو تركيا، وبالتأكيد ليس من السعودية، التي لن تقبل بالعودة إلى ما قبل الحرب في غزة. وفي الوقت نفسه، تكافح هذه الدول لفرض بديل أو ممارسة ضغط على الإدارة بما يُحدث تغييرًا في غزة.
وربما باتت مقتنعة بأن استمرار نتنياهو وحكومته في السلطة يعني انعدام فرص التقدم، وبالتالي بقاء الضغط الأميركي محدودًا. وقد تجلّى ذلك في مستهل لقاء ترامب–نتنياهو، حين ردّد الرئيس الأميركي رسائل نتنياهو بشأن نزع سلاح حــــمــــاس كشرط للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة إدارة ترامب ذات النقاط العشرين لغزة.

يدرك مسؤولو حــــمــــاس أن الرأي العام الفلسطيني في غزة شهد تحولًا كبيرًا، كما يوضح مصطفى إبراهيم، الباحث المقيم في غزة، في تقرير نشرته وكالة سما عشية قمة ترامب–نتنياهو.
فبعد أن كانت «الصلابة» مصدر مصداقية حــــمــــاس جماهيريًا، باتت الشرعية اليوم تُقاس بالقدرة على حماية حياة الناس. من يقي الناس الجوع والبرد والمرض ينجح؛ أما من يلوّح برايات وشعارات المقاومة فلا.

ويرى كثيرون في غزة أن التحركات التنظيمية الداخلية الأخيرة لحــــمــــاس، ونقاشاتها حول اختيار رئيس جديد، منفصلة عن الواقع، بل مستفزّة في بعض الأحيان.
كما يُنظر إلى محاولتها استعادة حضور أمني عبر فتح مراكز شرطة على أنها مسعى للبقاء في السلطة أكثر من كونها خطوة لبناء أدوات حماية مجتمعية. وفي غياب أفق سياسي أو اجتماعي، يتحول الأمن من رمز للدفاع إلى رمز للقوة.

ويبدو اليوم أن حــــمــــاس أمام خيار حاسم: إمّا الاستمرار في «إدارة» أزمة غزة بمنطق تنظيمي ضيّق، أو تحمّل المسؤولية الكاملة عن الحكم وفتح الطريق أمام مسار وطني جديد لا يكون على حساب حياة المدنيين.

  • Ali's avatar

    Ali

    Related Posts

    النرويج تسحب 661 مليون دولار من خمسة بنوك إسرائيلية

    أوسلو- سحب صندوق الثروة السيادي النرويجي استثماراته من خمسة بنوك إسرائيلية، من بينها بنك إسرائيل الدولي الأول، في خطوة تأتي ضمن مراجعة أخلاقية لاستثماراته في القطاع المصرفي الإسرائيلي. وأعلن الصندوق…

    إيران: لا فتح لمضيق هرمز دون الاستجابة للشروط السبعة

    طهران- قال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني، حسن قشقاوي، إن طهران تشترط تطبيق الشروط السبعة التي أعلنتها لإعادة فتح مضيق هرمز، مشيرا إلى أن الجانب القطري…

    Leave a Reply