مع ساعات الفجر الأولى، تحوّل الهدوء الذي يسبق شروق الشمس في بلدة الطور شرقي القدس المحتلة إلى مشهد من الاقتحام والهدم، بعدما اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي البلدة برفقة طواقم من بلديتها وآلياتها، وشرعت بهدم بناية سكنية، وسط حالة من التوتر والخوف بين سكانها.
لم يكن سكان البناية يتوقعون أن تحمل لهم ساعات الفجر موعدًا لمغادرتهم الأخيرة لمنازلهم، وأن يتحول الصباح الذي اعتادوا أن يبدأوه بين جدرانها إلى بداية رحلة جديدة خارجها، بعدما شرعت آليات الاحتلال بهدم منازلهم وجدرانها التي احتضنت سنوات من الأحلام والذكريات.
وبمشاركة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، هدمت آليات الاحتلال البناية المكونة من خمسة طوابق، والتي تضم 10 شقق سكنية، ليجد سكانها أنفسهم دون مأوى.
واستيقظ الأطفال والنساء على أصوات جنود الاحتلال وصراخهم، دون أن تمنح القوات العائلات مهلة لإخلاء منازلها أو جمع أغراضها، بل أُجبروا على الخروج منها على الفور.
هدم الذكريات
المقدسي فايز خلفاوي، أحد سكان البناية، يقول لوكالة “صفا”: “تفاجأنا باقتحام قوات الاحتلال وآليات البلدية للبناية، والشروع بتكسير الأبواب وإخراج السكان بالقوة دون السماح بإخراج أي من محتوياتها”.
ويوضح أن أصحاب البناية تسلموا أمس الاثنين قرارًا بهدمها، وتقدموا بطلب لتأجيل التنفيذ ومنحهم مهلة لتفريغ المنازل من محتوياتها، إلا أن قوات الاحتلال اقتحمت البناية عند الساعة الثالثة فجرًا، وداهمت المنازل تمهيدًا لتنفيذ عملية الهدم.
ومنذ عام 2011، يخوض سكان البناية إجراءات قانونية في محاكم الاحتلال بالقدس، في محاولة لتأجيل قرار هدمها والحيلولة دون تنفيذه.
وقبل نحو أربع سنوات، أثارت قضية البناية ضجة إعلامية واسعة، في محاولة لتمديد المهلة الممنوحة للسكان وتأجيل هدمها، قبل أن تصدر بلدية الاحتلال أمس قرارًا بهدمها.
طريقة عنيفة
ويضيف خلفاوي أن اقتحام البناية بهذه الطريقة العنيفة، وتفجير أبواب المنازل وتفتيش الغرف، أثار حالة من الخوف والهلع بين الأطفال والنساء، لا سيما أن الاقتحام حدث أثناء نومهم.
ويشير إلى أن قوات الاحتلال أجبرت عددًا من الشبان والفتية على الجلوس أو الانبطاح أرضًا خلال عمليات التفتيش، ومنعتهم من الذهاب إلى الحمام، فيما سُمح لبعضهم باستخدامه بشروط، من بينها إبقاء الباب مفتوحًا.
وتحوّلت المنازل العشرة، بما تحويه من ممتلكات وحقائب مدرسية وكتب وألعاب، إلى ركام وأنقاض، بعد أن هدمت جرافات البلدية البناية، مشرّدة نحو 75 شخصًا.
ولم يكن أمام السكان سوى الخروج على عجل، حاملين ما استطاعوا إنقاذه من مقتنياتهم خلال دقائق، فيما بقيت أشياء كثيرة خلفهم، في مشهد اختلطت فيه صدمة الرحيل بآثار الهدم، وسط أوامر الجنود وحركة الجرافات.
ويلفت خلفاوي إلى أن البناية كانت تضم عدة عائلات، يبلغ عدد أفرادها نحو 75 شخصًا، بينهم 35 طفلًا، باتوا اليوم دون مأوى.
استعراض سياسي
ولا يعرف خلفاوي إلى أين سيتجه بعد هدم قوات الاحتلال شقتين كان يقطنهما برفقة نجله وأولاده، ليجد نفسه اليوم دون مأوى وبلا مقتنيات.
ويؤكد أن عملية الهدم تمت بمشاركة بن غفير، معتبرًا أنها جاءت في إطار استعراض سياسي، بالتزامن مع الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
وبحسب العائلات، فإن البناية قائمة منذ عام 2009، وقد خاضت لسنوات إجراءات للحصول على رخصة بناء، وتمكنت خلالها من تأجيل أوامر الهدم السابقة.
إلا أن قرار محكمة الاحتلال العليا النهائي، الصادر قبل نحو شهر، أنهى تلك الإجراءات، بذريعة أن البناية قائمة دون ترخيص، وأن المخطط للأرض هو إقامة مدرسة، بعدما كانت البلدية قد تحدثت في وقت سابق عن هدم المبنى لصالح شق شارع في المنطقة.
ويؤكد خلفاوي أن سلطات الاحتلال تسعى إلى تهجير المقدسيين من المدينة، من خلال هدم منازلهم أو إجبارهم على هدمها بأنفسهم.
وتشير معطيات مركز معلومات وادي حلوة في القدس إلى تصاعد لافت في استهداف البنايات السكنية في المدينة خلال السنوات الأخيرة، في تحول من هدم المنازل الفردية إلى هدم مبانٍ سكنية كاملة، بما يوسّع دائرة التشريد لتشمل عشرات العائلات في عملية هدم واحدة.
وخلال العام الجاري 2026، هدمت سلطات الاحتلال، مع بناية الطور التي هُدمت اليوم، ست بنايات سكنية، تضم نحو 30 شقة سكنية.
ورصد المركز هدم ثلاث بنايات سكنية عام 2025، ضمت 22 شقة، فيما شهد عام 2024 هدم خمس بنايات سكنية، ضمت 12 شقة، من بينها بنايتان قيد الإنشاء.
بدورها، اعتبرت محافظة القدس أن مشاركة وزير الأمن المتطرف إيتمار بن غفير في عملية الهدم بناية سكنية في بلدة الطور تمثل تحريضًا رسميًا على المقدسيين ووجودهم، واستغلالًا لقضية القدس في الدعاية الانتخابية الإسرائيلية، على حساب حقوق الفلسطينيين وحرمة منازل المدنيين.
وقالت المحافظة في بيان، إن تحويل عمليات هدم منازل الفلسطينيين إلى مشاهد انتخابية واستعراض للقوة لا يغير من واقع أن القدس أرض فلسطينية محتلة.





